ابن عربي
34
فصوص الحكم
والجوهر ، فإنه هو الذي يفيض عليك الوجود من وجوده . فالعبادة الحقة هي ما تحقق فيها الافتقار المطلق من جانب العبد ، والغنى المطلق من جانب الحق . والله وحده هو الغنى المفتقر إليه . بل إن الافتقار إلى الأسباب افتقار في الحقيقة إلى الله وحده . يقول ابن عربي في شرح قوله تعالى « يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله » : الفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شيء من حيث إن ذلك الشيء هو مسمى الله ، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير الله . وقد أخبر الله أن الناس فقراء إلى الله على الإطلاق ، والفقر حاصل منهم ، فعلمنا أن الحق قد ظهر في صورة كل ما يُفْتَقَر إليه ( 1 ) ثم استمعْ إليه وقد صاح في أعماق قلبه صوت عاطفته الدينية التي لا تقل في حرارتها وقوتها عن عاطفة أي مؤله متدين ، وهو يصف الحق معبوده ومعشوقه متحيراً في كنهه ، مؤتنساً بقربه ، مستوحشاً ببعده . قال على لسان العرش : « أقسم بعليِّ عزته وقوي قدرته لقد خلقني ، وفي بحار أحديته غرَّقني ، وفي بيداء أبديته حيرني : تارة يطلع من مطالع أبديته فينعشني ، وتارة يدنيني من مواقف قربه فيؤنسني ، وتارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني ، وتارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني ، وتارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني . وكلما استعذبت من عربدة سكري قال لسان أحديته : « لَنْ تَرانِي » ، فذبت من هيبته فرقاً ، وتمزقت من محبته قلقاً ، وصعقت عند تجلي عظمته كما خر موسى صعقاً . فلما أفقت من سكرة وجدي به ، قيل لي أيها العاشق : هذا جمال قد صنَّاه ، وحسن قد حجبناه ، فلا ينظره إلا حبيب قد اصطفيناه ( 2 ) » . هذا شعور بعيد عن متناول الماديين من أصحاب وحدة الوجود الذين يعتقدون
--> ( 1 ) الفتوحات ج 2 ص 21 س 17 . ( 2 ) شجرة الكون ص 27 .